أحمد مصطفى المراغي
44
تفسير المراغي
نوره ، ثم أرشد رسوله ألا يغتر بأحوال أولئك المجادلين وتركهم سالمين في أبدانهم وأموالهم يتصرفون في البلاد للتجارة ، لسعة الرزق والتمتع بزخرف الدنيا ، فإنه سيأخذهم أخذ عزيز مقتدر كما فعل بأمثالهم من الأمم الماضية ممن كذبوا رسلهم فحلّ بهم البوار في الدنيا ، وسينزل بهم النكال في الآخرة في جهنم وبئس القرار . الإيضاح ( ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ما يخاصم في القرآن بالطعن فيه وتكذيبه كقولهم مرة إنه شعر ، وأخرى إنه سحر وثالثة إنه أساطير الأولين إلى أشباه ذلك من سخيف المقال - إلا الذين جحدوا به وأعرضوا عن الحق مع ظهوره . وهذا النوع من الجدل هو المذموم ، وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلم « لا تماروا في القرآن ، فإن المراء فيه كفر » أما الجدل لتقرير الحق وإيضاح الملتبس ، وكشف المعضل ، واستنباط المعاني ، ورد أهل الزيغ بها ، ورفع اللبس ، ودفع ما يتعلق به المبطلون من متشابهات القرآن ، فهو وظيفة الأنبياء ، ومنه قوله تعالى حكاية عن قوم نوح لنوح « يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا » . و عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : « هاجرت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوما فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية ، فخرج يعرف في وجهه الغضب ، فقال إنما هلك من كان قبلهم باختلافهم في الكتاب » رواه مسلم . وقال أبو العالية : آيتان ما أشدهما علىّ : « ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا » الآية ، وقوله : « وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ » ولما حكم سبحانه على المجادلين في آيات اللّه بالكفر نهى رسوله صلّى اللّه عليه وسلم أن يغتر بشيء من حظوظهم الدنيوية فقال : ( فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ) أي فلا يغررك ما يفعلونه من التجارة النافعة